أحمد بن محمد القسطلاني
79
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وجوز زيادة الباء ، أي دعا الكتاب على سبيل المجاز أو ضمن دعا معنى طلب ( الذي بعث به دحية ) بكسر الدال وفتحها ورفع التاء على الفاعلية ابن خليفة الكلبي ، ولأبوي ذر والوقت عن المستملي وابن عساكر بعث به مع دحية أي بعثه عليه الصلاة والسلام معه ، وكان في آخر سنة ست بعد أن رجع من الحديبية ( إلى عظيم ) أهل ( بصرى ) بضم الموحدة مقصورًا مدينة حوران أي أميرها الحرث بن أبي شمر الغساني . ( فدفعه إلى هرقل ) فيه مجاز لأنه أرسل به إليه صحبة عديّ بن حاتم كما في رواية ابن السكن في الصحابة ، وكان وصوله إليه كما قاله الواقدي وصوّبه الحافظ ابن حجر في سنة سبع ( فقرأه ) هرقل بنفسه أو الترجمان بأمره ، وفي مرسل محمد بن كعب القرظيّ عند الواقدي في هذه القصة فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية فقرأه ( فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ) فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملة ، وإن كان المبعوث إليه كافرًا . فإن قلت : قد قدم سليمان اسمه على البسملة ، أجيب : أنه إنما ابتدأ بالبسملة وكتب اسمه عنوانًا بعد ختمه لأن بلقيس إنما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه المعهود ، ولذلك قالت : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم . فالتقديم واقع في حكاية الحال . ( من محمد عبد الله ورسوله ) وصف نفسه الشريفة بالعبودية تعريضًا لبطلان قول النصارى في المسيح أنه ابن الله ، لأن الرسل مستوون في أنهم عباد الله . وللأصيلي وابن عساكر من محمد بن عبد الله ورسول الله ( إلى هرقل عظيم ) أهل ( الروم ) أي المعظم عندهم ووصفه بذلك لمصلحة التأليف ولم يصفه بالأمرة ولا الملك لكونه معزولاً بحكم الإسلام ، وقوله : عظيم بالجر بدل من سابقه ، ويجوز الرفع على القطع والنصب على الاختصاص وذكر المدائني أن القارئ لما قرأ من محمد رسول الله غضب أخو هرقل واجتذب الكتاب فقال له هرقل : ما لك ؟ فقال : لأنه بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم . قال : إنك لضعيف الرأي أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه لئن كان رسول الله إنه لأحق أن يبدأ بنفسه ولقد صدق أنا صاحب الروم والله مالكي ومالكه . ( سلام ) بالتنكير ، وعند المؤلف في الاستئذان السلام ( على من اتبع الهدى ) أي الرشاد على حد قول موسى وهارون لفرعون : { وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } [ طه : 47 ] ، والظاهر أنه من جملة ما أُمرا به أن يقولاه ، ومعناه سلم من عذاب الله من أسلم فليس المراد به التحية وإن كان اللفظ يُشعِر به لأنه لم يسلم ، فليس هو ممن اتبع الهدى . ( أما بعد ) بالبناء على الضم لقطعه عن الإضافة المنوية لفظًا ، ويؤتى بها للفصل بين الكلامين . قال في الفتح : واختلف في أول من قالها فقيل داود ، وقيل يعرب بن قحطان ، وقيل كعب بن لؤي ، وقيل قس بن ساعدة ، وقيل سحبان . وفي خمس غرائب مالك للدارقطني أن يعقوب عليه السلام أول من قالها ، فإن ثبت وقلنا إن قحطان من ذرية إسماعيل فيعقوب أوّل من قالها مطلقًا ، وإن قلنا إن قحطان قبل إبراهيم فيعرب أوّل من قالها . ( فإني أدعوك بدعاية الإسلام ) . بكسر الدال المهملة ، ولمسلم كالمؤلف في الجهاد بداعية الإسلام أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ، والباء بمعنى إلى ، أي أدعوك إلى الإسلام . ( أسلم ) بكسر اللام ( تسلم ) بفتحها ( يؤتك الله أجرك مرتين ) بالجزم في الأول على الأمر ، وفي الثاني جواب له ، والثالث بحذف حرف العلة جواب ثانٍ له أيضًا ، أو بدل منه ، وإعطاء الأجر مرتين لكونه مؤمنًا بنبيّه . ثم آمن بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أو من جهة أن إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه . وقوله : أسلم تسلم فيه غاية الاختصار ونهاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني مع ما فيه من الجناس الاشتقاقي ، وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد ، وعند المؤلف في الجهاد أسلم تسلم وأسلم يؤتك بتكرار أسلم مع زيادة الواو في الثانية ، فيكون الأمر الأوّل للدخول في الإسلام والثاني للدوام عليه على حدّ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا } [ النساء : 136 ] قاله في الفتح ، وعورض بأن الآية في حق المنافقين ، أي يا أيها الذين آمنوا نفاقًا آمنوا إخلاصًا . وأجيب بأنه قول مجاهد . وقال ابن عباس في مؤمني أهل الكتاب ، وقال جماعة من المفسّرين : خطاب للمؤمنين ، وتأويل آمنوا بالله أقيموا